
لم تعد لغة الصراع السياسي في المغرب تكتفي بالبرامج والوعود والشعارات الانتخابية، بعدما بدأت بعض المواجهات بين الخصوم السياسيين تنزلق إلى عبارات واتهامات تلامس ملفات أكثر حساسية. آخر فصول هذا التصعيد جاء من شيشاوة، حيث اختار الوزير لحسن السعدي، خلال لقاء حزبي، توجيه رسائل نارية إلى خصومه السياسيين، مستخدماً عبارات سرعان ما أشعلت موجة من الجدل.
وقال السعدي، في كلمة له خلال النشاط، إن «الفراقشي الحقيقي هو مول السيركات»، قبل أن يضيف، في عبارة أخرى أكثر إثارة للجدل: «الفراقشي الحقيقي هو هداك اللي دخلو عندهم وكيبيع الفرماج».
ورغم أن الوزير لم يسمِّ في العبارات المتداولة شخصاً بعينه، فإن السياق السياسي للكلمة جعلها تُقرأ باعتبارها رسالة مباشرة إلى خصوم سياسيين، وخصوصاً في ظل التنافس الحاد بين الأحزاب مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية في المغرب.
من «السيركات» إلى «الفرماج».. عندما ترتفع حرارة الخطاب السياسي
العبارات التي استخدمها السعدي لم تمر مرور الكرام، إذ سرعان ما تحولت إلى مادة للنقاش السياسي والإعلامي، ليس فقط بسبب حدتها، وإنما لأن عبارة «كيبيع الفرماج» تفتح الباب أمام سؤال مختلف تماماً: هل يتعلق الأمر بمجرد توصيف سياسي ساخر، أم بإشارة إلى وقائع محددة تتعلق ببيع مواد غذائية غير صالحة للاستهلاك؟
وهنا دخل الخبير الاقتصادي سمير شوقي على خط الجدل، معتبراً أن الأمر «خطير جداً»، خصوصاً إذا كان الاتهام المتداول يستند إلى معلومات حقيقية يمكن إثباتها.
فإذا كانت هناك، بالفعل، معطيات حول بيع مواد غذائية فاسدة للمواطنين، فإن المسألة لا ينبغي أن تبقى مجرد مادة للتراشق السياسي، بل يفترض أن تصبح موضوعاً للتحقق والتحقيق من طرف الجهات المختصة.
أما إذا لم تكن هناك أدلة أو وقائع ثابتة، فإن السؤال ينتقل إلى الجهة الأخرى: ما المسؤولية السياسية والقانونية عن إطلاق اتهامات بهذا الحجم خلال نشاط انتخابي؟
«مول الفرماج» والنيابة العامة.. أين تنتهي السياسة وتبدأ المسؤولية؟
ذهب شوقي في تعليقه إلى أن الحديث عن جريمة محتملة يفرض، في حال وجود معلومات جدية، سلوك المسار القانوني المناسب، بدل الاكتفاء بإطلاق الاتهامات أمام الجمهور.
كما استند في نقاشه إلى المقتضيات القانونية المتعلقة بترويج المواد الغذائية الفاسدة، مذكّراً بأن القانون المغربي يجرّم تداول أو بيع الأغذية التي يُعلم أنها فاسدة أو سامة، مع اختلاف العقوبات بحسب طبيعة الأفعال والنتائج المترتبة عنها.
وبذلك، فإن القضية لا تتعلق فقط بـ«فرماج» في خطاب انتخابي، بل بسؤال يمس سلامة المستهلك والمسؤولية عن المنتجات الغذائية إذا ثبتت الوقائع.
ومن هنا جاءت العبارة اللافتة التي أطلقها شوقي: «أمام هذه التصريحات الخطيرة الخط للنيابة العامة و”مول الفورماج”».
وهي عبارة تختصر جوهر الجدل: إذا كان الكلام مجرد مجاز سياسي، فالمعركة تبقى في ملعب الانتخابات؛ أما إذا كان يستند إلى وقائع، فإن المؤسسات المختصة هي التي يفترض أن تقول كلمتها.
«هذه ليست حملة انتخابية.. هذه حرب تكسير عظام»
اللافت في المشهد أن هذا التصعيد يأتي في لحظة سياسية حساسة في المغرب، حيث بدأت ملامح المنافسة الانتخابية تظهر بشكل أكثر وضوحاً، فيما يتزايد اعتماد بعض الفاعلين السياسيين على خطاب هجومي يستهدف الخصوم مباشرة.
وفي هذا السياق، وصف سمير شوقي الأجواء الحالية بأنها تجاوزت، في نظره، حدود الحملة الانتخابية التقليدية، قائلاً إنها «حرب تكسير عظام تُستباح فيها كل الأسلحة وتخرج كل الأسرار للعلن».
وهو توصيف يعكس حجم التحول في الخطاب السياسي: من التنافس حول البرامج إلى محاولة كشف نقاط ضعف الخصم، ومن الدفاع عن الحصيلة إلى مهاجمة الخصوم، ومن تقديم الوعود إلى استعمال عبارات قادرة على صناعة الجدل والانتشار.
المواطن المغربي.. بين «السيركات» و«الفرماج»
لكن بعيداً عن السجال الحزبي، يبقى المواطن المغربي أمام سؤال أكثر بساطة وأهمية: ماذا سيحصل عليه من كل هذا الصراع؟
فالناخب لا يبحث فقط عن عبارات ساخرة أو معارك كلامية بين الأحزاب، وإنما يريد معرفة من يمتلك برنامجاً حقيقياً لتحسين قدرته الشرائية، وتوفير فرص الشغل، وتطوير الصحة والتعليم، وتحسين الخدمات العمومية، ومحاربة الفساد والريع، وربط المسؤولية بالمحاسبة.
ومع اقتراب الانتخابات، تصبح المعادلة أكثر وضوحاً: الصوت الانتخابي ليس شيكاً على بياض.
فالسياسي الذي يطلب ثقة المواطن للوصول إلى المسؤولية، مطالب في المقابل بتقديم الحساب أمام المواطن عندما تنتهي صناديق الاقتراع.
وبين «مول السيركات» و«مول الفرماج» و«الفراقشي الحقيقي»، تبدو المعركة السياسية في المغرب مقبلة على مرحلة أكثر سخونة، لكن السؤال الذي سيبقى مطروحاً على الناخب ليس من يملك العبارة الأكثر إثارة، وإنما:
من يملك البرنامج الحقيقي؟ ومن يملك القدرة على الإنجاز؟ ومن يستطيع أن يقف أمام المواطن بعد الانتخابات ويقول له: هذه هي حصيلتي؟