المغرب–إسبانيا.. إحراق العلم المغربي وصورة الملك محمد السادس قرب البرنابيو يفتحان باب المساءلة

مدريد
تحوّل محيط ملعب سانتياغو برنابيو في العاصمة الإسبانية مدريد، مساء الثلاثاء 8 شتنبر 2026، إلى مسرح لواقعة أثارت استنكاراً واسعاً، بعدما أظهرت مقاطع مصورة أشخاصاً يُنسبون إلى فصيل «ألتراس سور» وهم يحرقون العلم المغربي، إلى جانب صورة للملك محمد السادس وتمثيل لصورة رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز، وذلك قبيل مباراة ريال مدريد وإنتر ميلان برسم دوري أبطال أوروبا.
وبحسب ما ظهر في المقاطع المتداولة، قُدّم هذا التصرف من طرف منفذيه باعتباره تعبيراً عن موقف مؤيد لمدينة سبتة، في سياق التوتر السياسي والإعلامي الذي شهدته العلاقات المغربية الإسبانية خلال الأسابيع الأخيرة. غير أن التعبير عن موقف سياسي بشأن سبتة يظل مسألة مختلفة تماماً عن إحراق علم دولة جارة واستهداف رموزها الوطنية.
وتزداد حساسية الواقعة بالنظر إلى المكان الذي حدثت فيه، أي في محيط أحد أشهر الملاعب الرياضية في العالم، وفي العاصمة الإسبانية، وفي توقيت كانت فيه أنظار ملايين المتابعين موجهة إلى مدريد بسبب مباراة أوروبية كبرى.
سبتة شيء.. واستهداف رموز المغرب شيء آخر
وكان ملعب سانتياغو برنابيو قد شهد، قبل انطلاق المباراة، مبادرة جماهيرية للتعبير عن التضامن مع مدينة سبتة، حيث رفعت جماهير من المدرجات أعلام المدينة الإسبانية وشعارات مؤيدة لها، وهو ما وثقه نادي ريال مدريد نفسه في تغطية رسمية للمشهد.
ومن منظور صحفي، لا ينبغي الخلط بين الأمرين.
فرفع علم سبتة أو التعبير عن موقف سياسي مؤيد لها يدخل في إطار حرية التعبير والمواقف السياسية، أما إحراق العلم المغربي أو صورة الملك محمد السادس فيحمل دلالة مختلفة تماماً، لأنه ينتقل من التعبير عن موقف سياسي إلى استهداف رموز مرتبطة بدولة وشعب بأكمله.
وهنا تبرز أسئلة مشروعة للسلطات الإسبانية: من يقف وراء هذا التصرف؟ وهل جرى فتح تحقيق لتحديد هوية الأشخاص الذين ظهروا في المقاطع؟ وهل ستُدرس الواقعة وفق القوانين الإسبانية المتعلقة بالنظام العام وخطاب الكراهية والتمييز والتحريض؟
لا ينبغي تحميل ريال مدريد أو جماهيره مسؤولية تصرفات فصيل محدد
وفي المقابل، تقتضي المهنية الصحفية عدم تعميم المسؤولية على جميع جماهير ريال مدريد أو على النادي نفسه.
فالمعطيات المتوفرة تتحدث عن أشخاص منسوبين إلى «ألتراس سور»، في حين أن المشهد الجماهيري داخل الملعب كان أوسع بكثير، وشمل آلاف المشجعين الذين شاركوا في مبادرة دعم سبتة.
وبالتالي، فإن تحميل مؤسسة رياضية أو ملايين المشجعين الإسبان مسؤولية تصرفات مجموعة محددة سيكون غير دقيق، كما أن المطلوب هو تحديد المسؤوليات الفردية بوضوح، وترك التحقيق للجهات المختصة.
اختبار جديد للعلاقات المغربية الإسبانية
وتأتي هذه الواقعة في وقت تعرف فيه العلاقات بين الرباط ومدريد مرحلة دقيقة، بعد سنوات من التقارب والتنسيق في ملفات استراتيجية عديدة، وهو ما يجعل ظهور مشاهد تستهدف الرموز المغربية داخل العاصمة الإسبانية أمراً يستحق التوقف عنده.
كما أن المغرب وإسبانيا والبرتغال مقبلون على محطة عالمية كبرى تتمثل في كأس العالم 2030، بما تحمله من رسائل حول التعايش والتعاون والانفتاح بين الشعوب.
ومن هذه الزاوية، فإن أي مظاهر كراهية أو تحريض تستهدف مواطني بلد بعينه أو رموزه الوطنية لا ينبغي أن تتحول إلى مشاهد عادية في محيط الملاعب.
المطلوب ليس التصعيد.. بل تطبيق القانون
المغرب لا يحتاج إلى ردود فعل انفعالية على مثل هذه الاستفزازات، بقدر ما يحتاج إلى وضوح في التعامل معها واحترام القانون.
فإذا أثبت التحقيق أن ما وقع يشكل مخالفة أو جريمة بموجب القانون الإسباني، فإن المسؤولية تقتضي تحديد الفاعلين ومحاسبتهم، بعيداً عن التعميم أو تحويل الواقعة إلى صراع بين الشعبين المغربي والإسباني.
فالخلاف السياسي حول سبتة أو أي ملف آخر يمكن أن يستمر داخل المؤسسات ووسائل الإعلام والفضاء السياسي، لكن إحراق علم دولة جارة واستهداف رموزها لا يمكن أن يكون بديلاً عن النقاش السياسي.
وفي النهاية، تبقى الكرة في ملعب السلطات الإسبانية:
هل ستتعامل مع هذه الواقعة باعتبارها مجرد تصرف من مشجعين، أم ستفتح تحقيقاً جدياً لتحديد المسؤوليات ومنع تحول الملاعب ومحيطها إلى فضاءات للتحريض والكراهية؟
وبالنسبة للمغرب، فإن الرسالة الأهم هي أن الخلافات السياسية لا تبرر إهانة رموزه الوطنية، كما أن احترام العلاقات بين الشعوب يبدأ من احترام رموزها ومشاعر مواطنيها.




