المغرب.. أربعة أحزاب تتجاوز حسابات المقاعد وتؤسس مجموعة نيابية مشتركة.. وبريك يرفع تحدي نقل معاناة الجبل إلى البرلمان

 

في خطوة سياسية وبرلمانية تحمل أكثر من دلالة، أعلنت أربعة أحزاب ممثلة بمجلس النواب عن اتفاقها على تشكيل مجموعة نيابية مشتركة، في مبادرة تروم تجاوز منطق الحسابات العددية التقليدية، والانتقال إلى تنسيق برلماني يروم تعزيز الأداء التشريعي والرقابي، والترافع عن القضايا الوطنية والاجتماعية.

ويتعلق الأمر بكل من جبهة القوى الديمقراطية، وحزب الإنصاف، وحزب الديمقراطيين الجدد، وحزب الوحدة والديمقراطية، التي قررت توحيد جهود مكوناتها البرلمانية الستة، في تجربة جديدة تسعى، وفق ما أعلنته الأحزاب المعنية، إلى ضخ دماء جديدة في الممارسة النيابية الوطنية، والارتقاء بالحضور المؤسساتي داخل البرلمان.

وأكد بلاغ مشترك للأحزاب الأربعة أن قياداتها أطلقت مشاورات سياسية وصفتها بـ«العميقة والمسؤولة»، استحضاراً لمخرجات ورهانات انتخاب أعضاء مجلس النواب، وانطلاقاً من إرادة متجددة لترسيخ الدور المحوري للعمل البرلماني، وهي المشاورات التي انتهت إلى الاتفاق على تأسيس مجموعة نيابية مشتركة.

ولم يقتصر الإعلان على مجرد تنسيق بين ستة نواب، بل حمل طموحاً سياسياً يتجاوز تدبير التمثيلية البرلمانية المحدودة، من خلال الانتقال إلى مبادرات تشريعية واقتراحية وازنة، قادرة على صياغة البدائل والترافع عن دعائم الدولة الاجتماعية وصيانة كرامة المواطن.

وشدد البلاغ على أن هذه المبادرة تستهدف أيضاً تعبئة الآليات الرقابية بعمق وحزم أكبر، من أجل تقييم السياسات العمومية، وتحويل الانشغالات الشعبية الملحة إلى سياسات واستراتيجيات عمل قابلة للتنفيذ، مع التأكيد على الالتزام بممارسة نيابية أخلاقية ومواطنة تضع المصلحة العليا للوطن فوق كل اعتبار.

ستة مقاعد.. وطموح سياسي يتجاوز الوزن العددي

وتكتسي هذه المبادرة أهمية خاصة بالنظر إلى طبيعة التمثيلية البرلمانية للأحزاب الأربعة، التي تتوفر مجتمعة على ستة مقاعد بمجلس النواب، موزعة بين مقعدين لجبهة القوى الديمقراطية، ومقعدين لحزب الإنصاف، ومقعد واحد لكل من حزب الديمقراطيين الجدد وحزب الوحدة والديمقراطية، وفق النتائج النهائية لانتخابات 23 شتنبر.

وفي هذا السياق، يبدو أن الأحزاب الأربعة اختارت تحويل محدودية عدد مقاعدها إلى فرصة لبناء إطار مشترك، يمنح نوابها إمكانية تنسيق المبادرات والأسئلة البرلمانية، وتوحيد المواقف بشأن عدد من الملفات التشريعية والرقابية.

غير أن الرهان الحقيقي لهذه التجربة لن يتوقف عند إعلان التأسيس أو صياغة البلاغات السياسية، بل سيمتد إلى مدى قدرة هذه المجموعة على فرض حضورها داخل النقاش البرلماني، وتحويل وعودها بشأن تجويد الأداء المؤسساتي إلى مبادرات ملموسة.

ومن بين الرسائل التي رافقت الإعلان عن هذه المبادرة، برز تصريح عبد العزيز باريك، المعروف باسم «أسامة بريك»، النائب المنتخب عن دائرة ميدلت باسم حزب الوحدة والديمقراطية، والذي وضع قضايا المناطق الجبلية في صلب الرهانات المنتظرة من هذه التجربة البرلمانية.

وأكد بريك أن المشاورات بين الأحزاب المعنية أفضت إلى الاتفاق على إحداث مجموعة نيابية، قائلاً إنهم «بصدد تكوين مجموعة نيابية»، بهدف التعاون وإضفاء مزيد من الدينامية على العمل البرلماني من خلال الأسئلة والمقترحات والمبادرات التشريعية.

واعتبر النائب عن ميدلت أن وصول عدد من الشباب المنحدرين من المناطق الجبلية إلى البرلمان من شأنه أن يشكل قيمة مضافة، من خلال نقل قضايا ظلت، بحسب تقديره، بعيدة عن النقاش البرلماني بالقدر الكافي.

وأوضح أن من بين الملفات التي يعتزم الاشتغال عليها مشاكل البنيات التحتية والفيضانات، إلى جانب الإكراهات التي تعيشها ساكنة الإقليم والمناطق الجبلية، مؤكداً أن تمثيل السكان والدفاع عن قضاياهم سيكون في صدارة أولوياته خلال الولاية التشريعية الجديدة.

واستحضر بريك في هذا السياق الدعوة الملكية إلى تجاوز واقع «المغرب الذي يسير بسرعتين»، معتبراً أن المناطق التي ظلت تسير، وفق تعبيره، «بسرعة السلحفاة»، تحتاج إلى حضور أقوى في السياسات العمومية والنقاش البرلماني.

وكان الملك محمد السادس قد أكد في خطاب العرش لسنة 2025 أنه «لا مكان اليوم ولا غدا، لمغرب يسير بسرعتين»، داعياً إلى إحداث نقلة حقيقية في التأهيل الشامل للمجالات الترابية، وتدارك الفوارق الاجتماعية والمجالية.

وبين الطموح المعلن للأحزاب الأربعة، والوعود التي حملها تصريح النائب عن ميدلت، تبرز أسئلة جوهرية حول طبيعة الدور الذي ستلعبه هذه المجموعة داخل البرلمان، ومدى قدرتها على التحول إلى قوة اقتراحية ورقابية مؤثرة، رغم محدودية عدد مقاعدها.

فالتحدي لا يتعلق فقط بتوحيد ستة أصوات برلمانية، وإنما بمدى قدرتها على جعل هذه الأصوات حاضرة في الملفات التي تهم المواطن، خصوصاً تلك المرتبطة بالعدالة المجالية، والتنمية الاجتماعية، والبنيات التحتية، والمناطق الجبلية التي تواجه تحديات متراكمة.

كما أن تأكيد الأحزاب الأربعة على تعزيز الدبلوماسية البرلمانية والدفاع عن الثوابت والمقومات الجامعة للمملكة، يضع المجموعة أمام مسؤولية مزدوجة، تتمثل في تقوية حضورها داخل المؤسسة التشريعية، والمساهمة في الدفاع عن المصالح الوطنية خارجياً.

وبين خطاب التجديد البرلماني وواقع الانتظارات الشعبية، ستكون المجموعة النيابية الجديدة أمام اختبار حقيقي: هل ستنجح في تحويل ستة مقاعد إلى صوت برلماني مؤثر، أم ستظل المبادرة مجرد إطار للتنسيق الحزبي دون أثر ملموس في حياة المواطنين؟

بالنسبة لسكان ميدلت والمناطق الجبلية، تبدو الإجابة مرتبطة بمدى قدرة ممثليهم على نقل معاناتهم من هامش الخطاب السياسي إلى صلب القرار العمومي.

Exit mobile version