المغرب.. أحمد التويزي رئيساً للبرلمان وملف «طحن الورق» يعود إلى الواجهة.. أسئلة محرجة حول المال العام والمساءلة

 

لم يكن انتخاب أحمد التويزي رئيساً لمجلس النواب المغربي مجرد محطة جديدة في مساره السياسي، بل مناسبة لعودة ملف «طحن الورق» إلى واجهة النقاش العمومي، بما يحمله من أسئلة مرتبطة بالدعم العمومي، ومراقبة المال العام، ومدى قدرة المؤسسات على تقديم أجوبة واضحة بشأن القضايا التي تثير اهتمام المواطنين.

فالرجل الذي انتُخب يوم الثلاثاء 13 أكتوبر 2026 رئيساً للغرفة الأولى للبرلمان، بعد حصوله على 220 صوتاً، مقابل 59 صوتاً لمنافسه إدريس الأزمي الإدريسي، يجد نفسه اليوم على رأس مؤسسة دستورية يفترض أن تشكل فضاءً للمساءلة والرقابة والتشريع، في وقت لا يزال فيه الجدل المرتبط بتصريحاته السابقة بشأن الدقيق المدعم حاضراً في الذاكرة الإعلامية والسياسية المغربية.

والسؤال الذي يفرض نفسه هنا ليس التشكيك في شرعية انتخابه، ولا إصدار أحكام مسبقة بشأن مسؤوليته، وإنما معرفة ما إذا كانت القضايا التي تثير أسئلة مشروعة لدى الرأي العام ستجد طريقها إلى التوضيح والمساءلة، أم ستتراجع إلى الخلف بمجرد انتهاء الضجيج الإعلامي.

في أكتوبر 2025، فجّر التويزي نقاشاً واسعاً داخل المغرب بعدما تحدث، خلال مناقشة مشروع قانون المالية لسنة 2026، عن اختلالات محتملة في منظومة الدقيق المدعم، مستعملاً عبارة «طحن الورق» في سياق انتقاده لطريقة تدبير الدعم الموجه إلى هذه المادة الأساسية.

وأثارت التصريحات ردود فعل واسعة، بالنظر إلى خطورة المعنى الذي قد يُفهم منها، خاصة عندما يتعلق الأمر بمنتج غذائي يرتبط مباشرة بصحة المواطنين وقدرتهم الشرائية.

لكن التويزي عاد لتوضيح موقفه، مؤكداً أن العبارة استُعملت مجازياً، وأن مقصده كان الإشارة إلى التلاعب المحتمل في الوثائق والفواتير المرتبطة بالاستفادة من الدعم العمومي، وليس الادعاء بخلط الورق بالدقيق بالمعنى الحرفي.

وفي 30 أكتوبر 2025، أُعلن عن فتح بحث قضائي بشأن القضية، في خطوة جعلت الموضوع يتجاوز حدود السجال السياسي والإعلامي إلى مسار يستوجب التمييز بين الادعاءات التي أُثيرت والوقائع التي يمكن إثباتها قانونياً.

ومنذ ذلك الحين، ظل السؤال الجوهري مرتبطاً بمآل البحث وما إذا كانت نتائجه قد أفضت إلى إجراءات أو قرارات رسمية معلنة.

إن طرح هذا السؤال لا يعني الجزم بوقوع غش غذائي أو ثبوت تورط أي جهة، بل يعكس حق المجتمع في معرفة مآل قضية أثارت مخاوف بشأن سلامة المواد الغذائية وطرق صرف الدعم العمومي.

من بين الأرقام التي رافقت الجدل حديث التويزي عن غلاف مالي يناهز 16.8 مليار درهم، في سياق انتقاده لمنظومة دعم الدقيق.

ومهما يكن التقييم النهائي لهذا النظام، فإن حجم الأموال العمومية المرتبطة به يفرض نقاشاً مؤسساتياً جدياً حول آليات المراقبة، ومدى نجاعة الدعم، وكيفية ضمان وصوله إلى الفئات المستحقة.

فإذا كانت هناك اختلالات في الفواتير أو التصريحات، كما أشار التويزي في توضيحاته، فمن حق المواطنين معرفة طبيعتها وحجمها، شريطة أن تستند الأجوبة إلى نتائج موثقة، لا إلى الاستنتاجات أو الاتهامات غير المثبتة.

وإذا لم تثبت الأبحاث وجود المخالفات التي أُثيرت في النقاش العام، فإن توضيح ذلك يظل بدوره مهماً لوضع حد للتأويلات المتداولة.

أما إذا كشفت التحقيقات عن اختلالات فعلية، فإن المطلوب هو ترتيب الآثار القانونية اللازمة وفقاً للقانون، أياً كانت الجهات أو الأطراف المعنية.

وهنا تتوالى الأسئلة: من يراقب فعلياً مسار الدعم الموجه إلى الدقيق؟ وهل تكفي آليات المراقبة الحالية لضمان الشفافية؟ وما الإجراءات التي اتُّخذت لمنع أي تلاعب محتمل في الفواتير أو الاستفادة غير المستحقة من الأموال العمومية؟

ثم، لماذا لا يتحول النقاش حول هذا الملف إلى فرصة لتقديم حصيلة واضحة بشأن مراقبة الدعم، بما يسمح للمواطنين بالتمييز بين الاختلالات المثبتة والمخاوف التي لم تحسمها الأبحاث؟

إن المال العام ليس موضوعاً ثانوياً في النقاش السياسي، بل هو جوهر العلاقة بين المواطن والمؤسسات، وأي سؤال يتعلق بحسن تدبيره يستحق جواباً مؤسسياً واضحاً.

يحمل انتخاب التويزي إلى رئاسة مجلس النواب دلالة سياسية إضافية، بالنظر إلى أنه انتقل من قيادة الفريق النيابي لحزب الأصالة والمعاصرة خلال الولاية السابقة إلى رئاسة مؤسسة يفترض أن تضمن اشتغال مختلف الفرق البرلمانية وفق قواعد الدستور والنظام الداخلي.

وهذا الانتقال يضعه أمام مسؤوليات تتجاوز الدفاع عن المواقف الحزبية، لتشمل تدبير أشغال المجلس، وضمان شروط النقاش بين الأغلبية والمعارضة، واحترام الاختصاصات الرقابية والتشريعية للنواب.

ومن هذا المنطلق، فإن السؤال المطروح لا يتعلق فقط بماضي التصريحات التي أثارت الجدل، بل أيضاً بما يمكن أن تحمله المرحلة الجديدة من مبادرات لتعزيز الشفافية والرقابة على السياسات العمومية.

هل ستشهد الولاية التشريعية الجديدة نقاشاً أكثر عمقاً حول فعالية الدعم الاجتماعي؟ وهل سيحظى ملف الدقيق المدعم بما يستحقه من متابعة مؤسساتية، في حدود الاختصاصات القانونية للبرلمان؟ وهل ستكون هناك مبادرات رقابية تتيح للنواب مساءلة الحكومة بشأن طرق تدبير الدعم ومراقبته؟

هذه أسئلة مشروعة لا تستهدف شخصاً بعينه، بل تتعلق بأداء مؤسسة دستورية وبحق المواطنين في الاطلاع على كيفية تدبير الموارد العمومية.

لا يمكن اختزال المسار السياسي لأي مسؤول في تصريح واحد، كما لا يجوز اعتبار الجدل الإعلامي دليلاً على ثبوت مخالفة. لكن تولي منصب دستوري رفيع لا يلغي حق الرأي العام في العودة إلى الملفات السابقة، خصوصاً عندما تتصل بالمال العام أو بقضايا تهم الحياة اليومية للمواطنين.

فالانتخاب يمنح الشرعية المؤسساتية وفق القواعد المعمول بها، لكنه لا يعفي المؤسسات من واجب التواصل والشفافية، ولا يجعل الأسئلة الصحفية المشروعة موضع تشكيك لمجرد أنها محرجة سياسياً.

ومن هنا، فإن التحدي أمام رئاسة مجلس النواب الجديدة لا يتمثل في الرد على الانتقادات وحدها، بل في المساهمة في ترسيخ ثقافة سياسية تعتبر المساءلة جزءاً طبيعياً من الممارسة الديمقراطية، لا حملة ظرفية تنتهي بانتهاء الجدل.

كما أن المطلوب من مختلف المؤسسات المعنية هو تقديم ما يمكن نشره قانونياً من معطيات بشأن مآل الملف، مع احترام سرية الأبحاث وقرينة البراءة، حتى لا يبقى المجال مفتوحاً أمام الشائعات أو الاستنتاجات غير المدعومة.

الوطن24: أسئلة تنتظر أجوبة واضحة

إن عودة ملف «طحن الورق» إلى الواجهة بعد انتخاب أحمد التويزي رئيساً لمجلس النواب المغربي لا تعني إصدار حكم مسبق على الرجل، لكنها تعيد طرح أسئلة تتعلق بالشفافية، ومراقبة الدعم العمومي، وحق المواطنين في معرفة مآل القضايا التي تستأثر باهتمامهم.

ما مآل البحث القضائي المعلن في أكتوبر 2025؟ وهل صدرت بشأنه نتائج أو قرارات رسمية يمكن اطلاع الرأي العام عليها؟ وما التدابير المعتمدة لضمان مراقبة الدعم الموجه إلى الدقيق؟ وهل ستتحول هذه القضية إلى مناسبة لتعزيز الرقابة البرلمانية على المال العام؟

تلك أسئلة لا ينبغي أن تضيع وسط الحسابات الحزبية أو السجالات الإعلامية، لأنها تتجاوز الأشخاص إلى جوهر الثقة في المؤسسات.

Exit mobile version