المجـتـمـع المغـربي إلـى أيـن؟

بقلم: ذ. السعيد شخمان*
تـمـهـيــد
ليس المجتمع المغربي اليوم هو المجتمع الذي كان عليه قبل عقود قليلة. فالمغرب يعيش تحولات متسارعة وعميقة، لا تسير في اتجاه واحد، ولا يمكن تفسيرها بعامل منفرد؛ لأنها نتاج تداخل معقد بين الاجتماعي والاقتصادي والسياسي والثقافي والتكنولوجي والتاريخي والجغرافي.
لقد انتقل المجتمع، بدرجات متفاوتة، من أنماط تقليدية كانت تضبطها الأسرة الممتدة، والجماعة المحلية، والعرف، والروابط التضامنية، إلى مجتمع أكثر فردانية وحركية وانفتاحا على العالم، تتعايش داخله قيم ومراجع متباينة، بل ومتعارضة أحيانا.
وهنا تكمن صعوبة قراءة المجتمع المغربي المعاصر: فنحن لا نعيش انتقالا بسيطا من التقليد إلى الحداثة، وإنما نعيش حالة مركبة من التداخل بين التقليدي والحديث، والمحلي والعالمي، والديني والمدني، والفردي والجماعي، والواقعي والرقمي.
ولذلك فإن السؤال: «المجتمع المغربي إلى أين؟» ليس سؤالا عن المستقبل فقط، وإنما هو سؤال عن طبيعة التحول الذي نعيشه الآن، وعن قدرة المجتمع والدولة والمؤسسات على تحويل هذا التحول إلى فرصة تاريخية، بدل أن يتحول إلى مصدر للتوتر والاغتراب وفقدان الثقة.
أولا: مجتمع يتحول أسرع من قدرته على استيعاب التحول
من أبرز سمات المجتمع المغربي المعاصر أن التغيير الاجتماعي أصبح أسرع من قدرة كثير من المؤسسات التقليدية على مواكبته.
فالأسرة تغيرت، والمدرسة تغيرت، وسوق العمل تغير، وأنماط الاستهلاك تغيرت، وعلاقة الأجيال بالسلطة والمرجعية تغيرت، كما تغيرت طرق إنتاج المعرفة وتلقيها.
ولم يعد الشاب المغربي يعيش داخل فضاء اجتماعي مغلق؛ فهو يتفاعل في الوقت نفسه مع أسرته ومدرسته ومحيطه المحلي، ومع العالم من خلال الهاتف والمنصات الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي.
وهذا خلق جيلا يعيش ازدواجية مرجعية واضحة: مرجعية محلية متوارثة، ومرجعيات عالمية متدفقة بلا توقف.
المشكلة ليست في الانفتاح ذاته؛ فالانفتاح يمكن أن يكون مصدر قوة وتجديد. المشكلة تظهر عندما لا يمتلك المجتمع أدوات تربوية وثقافية ونقدية تساعد الفرد على التمييز بين ما ينبغي استيعابه وما ينبغي مساءلته وما ينبغي رفضه.
ومن هنا تصبح المعركة الحقيقية ليست بين «التقليد» و«الحداثة»، وإنما بين مجتمع يمتلك القدرة على الاختيار، ومجتمع تفرض عليه التحولات خياراتها دون وعي كافٍ.
ثانيا: من مجتمع الجماعة إلى مجتمع الفرد
كان الانتماء إلى الأسرة والعائلة والحي والقبيلة والجماعة المحلية يشكل جزءا مركزيا من هوية الفرد الاجتماعية.
أما اليوم، فقد أصبح الفرد أكثر استقلالية في اختياراته، وأكثر قدرة على بناء صورته الخاصة عن نفسه، وأكثر تعرضا لتأثيرات متعددة.
وهذا التحول يحمل وجهين.
فمن جهة، يمكن أن يعزز الاستقلال الشخصي، وحرية الاختيار، والمبادرة، وتحمل المسؤولية، والمشاركة المدنية.
ومن جهة أخرى، قد يؤدي الإفراط في الفردانية إلى إضعاف الروابط الاجتماعية التقليدية، وتراجع بعض أشكال التضامن، واتساع الشعور بالعزلة، وتحول العلاقات الإنسانية تدريجيا من علاقات تقوم على الانتماء إلى علاقات تقوم على المنفعة أو التفاعل المؤقت.
وهنا يطرح السؤال نفسه:
كيف يمكن بناء فرد مستقل دون أن يتحول إلى فرد معزول؟ وكيف نحافظ على التضامن الاجتماعي دون أن يتحول إلى وصاية على الفرد؟
إن المجتمع المغربي أمام حاجة مزدوجة: تحديث الفرد، دون تفكيك المجتمع؛ وتحرير المبادرة الفردية، دون قتل روح التضامن.
ثالثا: الأسرة المغربية أمام تحول عميق
الأسرة هي أكثر المؤسسات الاجتماعية تعرضا لتأثير التحولات الجديدة.
فقد تغيرت بنية الأسرة، وتراجعت الأسرة الممتدة لصالح الأسرة النووية في قطاعات واسعة من المجتمع، وارتفعت كلفة الحياة، وتغيرت أدوار الرجل والمرأة، وأصبح تعليم المرأة ومشاركتها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية عاملا أساسيا في إعادة تشكيل العلاقات داخل الأسرة.
كما أن التحول الديموغرافي والاجتماعي جعل الزواج والإنجاب وتكوين الأسرة قرارات أكثر ارتباطا بالقدرة الاقتصادية وظروف السكن والعمل والتعليم.
وهذه التحولات لا ينبغي التعامل معها بمنطق الرثاء للماضي ولا بمنطق الاحتفال الآلي بالمستقبل.
فالأسرة ليست مجرد مؤسسة اجتماعية قابلة للتغيير، وإنما هي إحدى أهم آليات إنتاج الثقة والانتماء والتنشئة والقيم.
ومن ثم فإن أي تحول يضعف الأسرة دون أن يوفر بدائل اجتماعية وتربوية متماسكة قد ينتج فراغا يصعب ملؤه.
رابعا: الشباب… بين الطموح والإحباط
الشباب هو أكثر الفئات تعبيرا عن التحول الاجتماعي المغربي.
إنه الجيل الأكثر اتصالا بالعالم، والأكثر استعمالا للتكنولوجيا، والأكثر رغبة في الاستقلال، لكنه في الوقت نفسه يواجه أسئلة صعبة تتعلق بالتعليم والشغل والسكن والعدالة الاجتماعية وإمكانية الصعود الاجتماعي.
وهنا تظهر مفارقة أساسية:
جيل يمتلك طموحات عالمية، لكنه يعيش أحيانا داخل فرص محلية محدودة.
وهذا الفارق بين التطلعات والإمكانات يمكن أن ينتج الإحباط، خاصة عندما يرى الشاب عبر الفضاء الرقمي أنماط حياة وفرصا ومستويات استهلاك بعيدة عن واقعه.
ولا ينبغي اختزال أزمة الشباب في البطالة وحدها. إنها أزمة أوسع تتعلق أيضا بالإحساس بالجدوى، وبالمكانة الاجتماعية، وبالثقة في المستقبل، وبالقدرة على المشاركة والتأثير.
ولهذا فإن الاستثمار في الشباب لا يعني فقط توفير مقعد دراسي أو وظيفة؛ بل يعني منحه الإحساس بأنه شريك في صناعة المستقبل، وليس مجرد متلق لنتائجه.
خامسا: الاقتصاد يعيد تشكيل المجتمع
التحولات الاقتصادية لا تغير مستوى دخل المواطنين فقط، وإنما تعيد تشكيل الطبقات والعلاقات الاجتماعية وأنماط التفكير.
فكلما اتسعت الفوارق بين التطلعات والقدرات، أصبح الإحساس باللامساواة أكثر حضورا في الوعي الجماعي.
والتنمية الحقيقية لا تقاس فقط بمعدلات النمو أو حجم الاستثمارات، وإنما بقدرتها على خلق فرص عادلة للاندماج الاجتماعي.
وهذا يفسر أهمية النموذج التنموي الجديد الذي جعل من الرأسمال البشري والإدماج والتنمية الترابية واستعادة الثقة عناصر مركزية في تصور التحول الوطني.
فالسؤال الاقتصادي في النهاية هو سؤال اجتماعي أيضا:
من يستفيد من النمو؟ ومن يستطيع الوصول إلى الفرص؟ ومن يشعر أن التنمية تعنيه فعلا؟
إذا لم يجد المواطن أثر التنمية في حياته اليومية، فإن الأرقام وحدها لن تكفي لبناء الثقة.
سادسا: المدينة المغربية… مختبر التحول الاجتماعي
المدينة المغربية هي أحد أهم المختبرات التي يمكن من خلالها قراءة مستقبل المجتمع.
فالتوسع العمراني والهجرة الداخلية وتغير أنماط السكن والاستهلاك والعمل أدت إلى إعادة تشكيل العلاقات الاجتماعية.
المدينة الحديثة تجمع في المكان نفسه فئات اجتماعية وثقافية مختلفة، وتخلق أنماطا جديدة من التفاعل والتنافس والاندماج.
لكن المدينة يمكن أيضا أن تنتج العزلة إذا لم تكن فيها فضاءات عمومية حقيقية، ومؤسسات ثقافية، ومرافق رياضية، ومراكز للشباب، ومجتمع مدني حي، وخدمات عمومية عادلة.
لذلك فإن التخطيط العمراني ليس مسألة هندسية فقط؛ إنه سياسة اجتماعية وثقافية بامتياز.
سابعا: الرقمنة… الثورة التي غيرت طريقة التفكير
لم تعد التكنولوجيا مجرد وسيلة اتصال.
لقد أصبحت بيئة اجتماعية كاملة.
الهاتف الذكي غير علاقة الإنسان بالمعلومة، وبالخبر، وبالصورة، وبالسلطة، وبالشهرة، وبالآخر.
وأصبح الفرد قادرا على إنتاج المحتوى، والتعليق، والاحتجاج، والتعبئة، والتأثير، بل وصناعة صورة اجتماعية عن نفسه خارج المؤسسات التقليدية.
وهنا نشأ شكل جديد من المجال العام.
لكن هذا المجال يحمل مخاطر حقيقية أيضا: انتشار الأخبار الزائفة، والاستقطاب، وخطاب الكراهية، والمحاكمات الرقمية، وتضخم الإشاعة، وتحول الخوارزميات إلى عامل يؤثر في ما يراه الناس وما يعتقدون أنه مهم.
لذلك فإن المجتمع المغربي لا يحتاج فقط إلى التحول الرقمي، وإنما يحتاج أيضا إلى المواطنة الرقمية: أي القدرة على التحقق، والنقد، واحترام الخصوصية، والتمييز بين الرأي والمعلومة، وبين النقد والتشهير.
ثامنا: أزمة الثقة… السؤال الأصعب
ربما يكون سؤال الثقة من أهم الأسئلة التي ينبغي أن تحتل موقعا مركزيا في دراسة مستقبل المجتمع المغربي.
الثقة في المؤسسات، والثقة في المدرسة، والثقة في الإدارة، والثقة في الأحزاب، والثقة في الإعلام، والثقة بين المواطنين أنفسهم.
فالمجتمع الذي تنخفض فيه الثقة يصبح أكثر قابلية للإشاعة، وللتشكيك، وللانغلاق، وللبحث عن حلول فردية.
ولهذا ربط النموذج التنموي الجديد بصورة صريحة بين تحرير الطاقات واستعادة الثقة وتسريع التنمية.
والثقة لا تُطلب بالخطاب، وإنما تُبنى بالممارسة:
بالشفافية، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وتكافؤ الفرص، وجودة الخدمات، واحترام القانون، والإنصات للمواطن.
تاسعا: السياسة والمجتمع… من التمثيل إلى المشاركة
الديمقراطية لا تختزل في الانتخابات.
فالانتخابات لحظة من لحظات المشاركة السياسية، لكنها ليست المشاركة كلها.
الدستور المغربي يضمن مجموعة من الحقوق والحريات، من بينها حرية الاجتماع والتجمهر والتظاهر السلمي وتأسيس الجمعيات والانتماء النقابي والسياسي، كما يقر حق التصويت والترشح.
لكن التحدي الحقيقي هو تحويل هذه الحقوق من نصوص قانونية إلى ثقافة مواطنة وممارسة مؤسساتية.
فالمجتمع الذي يشارك في الانتخابات فقط، ثم ينسحب من المجال العام، يظل مجتمعا ضعيف التأثير.
أما المجتمع المدني القوي، والنقابات المستقلة، والهيئات المهنية، والشباب المنخرط، والنساء الفاعلات، والمواطن الذي يمارس حقه في السؤال والمساءلة، فهي عناصر تجعل الديمقراطية ممارسة يومية وليست موسمية.
عاشرا: الهوية المغربية في زمن العولمة
المجتمع المغربي لا يدخل العولمة من موقع الفراغ.
إنه يحمل تاريخا وثقافة ولغة ودينا وذاكرة جماعية ومؤسسات وطنية وتنوعا ثقافيا.
لكن الهوية ليست متحفا للماضي.
الهوية الحية هي التي تستطيع أن تحافظ على جوهرها، وفي الوقت نفسه تتفاعل مع العالم.
ولهذا فإن المطلوب ليس الانغلاق أمام العولمة ولا الذوبان فيها، بل بناء شخصية مغربية واثقة من ذاتها، قادرة على الحوار مع الآخر دون عقدة نقص ودون عقدة تفوق.
إن المجتمع الذي يفقد ثقته في هويته يصبح مستهلكا لهويات الآخرين؛ والمجتمع الذي يغلق أبوابه أمام العالم يحكم على نفسه بالتراجع.
حادي عشر: هل نحن أمام صراع أجيال؟
من الخطأ تفسير التحولات الحالية باعتبارها مجرد صراع بين «جيل قديم» و«جيل جديد».
فالمسألة أعمق.
إنها اختلاف في المرجعيات، وفي مفهوم السلطة، وفي معنى النجاح، وفي علاقة الفرد بالجماعة، وفي تصور المستقبل.
الجيل الأكبر يرى أحيانا في بعض التحولات الجديدة تهديدا للقيم التي تربى عليها.
والجيل الأصغر يرى أحيانا في بعض مواقف الجيل السابق محاولة لفرض نموذج اجتماعي لم يعد يتناسب مع واقعه.
لكن الحل ليس انتصار جيل على جيل.
الحل هو بناء عقد اجتماعي وثقافي جديد بين الأجيال، يستفيد من خبرة الكبار وطاقة الشباب، ومن الذاكرة دون الوقوع في أسرها، ومن التجديد دون احتقار الماضي.
ثاني عشر: المجتمع المغربي أمام مفترق طرق
المسألة في النهاية ليست: هل سيتغير المجتمع المغربي؟
لقد تغير بالفعل، وسيواصل التغير.
السؤال الحقيقي هو:
هل سنترك التحولات تقود المجتمع بصورة تلقائية، أم سنمتلك القدرة على توجيهها؟
هناك مساران محتملان.
الأول: أن تستمر التحولات الاقتصادية والتكنولوجية والثقافية بسرعة أكبر من قدرة المؤسسات على الاستيعاب، فتتسع الفجوة بين الأجيال، وتتراجع الثقة، وتتعمق الفردانية، ويزداد الشعور باللامساواة، ويتحول الفضاء الرقمي إلى مجال للاستقطاب بدل الحوار.
والثاني: أن تتحول هذه التحولات إلى فرصة تاريخية لبناء مجتمع أكثر تعليما، وأكثر إنتاجية، وأكثر مشاركة، وأكثر ثقة في مؤسساته، وأكثر انفتاحا، دون أن يفقد جذوره.
والفارق بين المسارين لن تصنعه التكنولوجيا وحدها ولا الاقتصاد وحده.
إنه سيصنعه الإنسان والمؤسسات والقيم.
خاتمة: إلى أين؟
المجتمع المغربي يقف اليوم أمام مرحلة انتقالية كبرى.
فهو لم يعد المجتمع التقليدي الذي عرفناه، لكنه لم يصل بعد إلى نموذج اجتماعي جديد مستقر.
إنه مجتمع في حالة تشكل.
وفي هذه المرحلة، لا ينبغي الخوف من التغيير، بل الخوف من تغيير بلا بوصلة.
ولا ينبغي الدفاع عن الماضي لمجرد أنه ماض، ولا قبول الجديد لمجرد أنه جديد.
المطلوب هو بناء قدرة جماعية على الاختيار.
اختيار مدرسة تنتج المعرفة والشخصية، لا الشهادة فقط.
واقتصاد ينتج الفرص، لا الثروة وحدها.
وسياسة تعيد الاعتبار للمواطن، لا للوسيط فقط.
ومؤسسات تستعيد الثقة بالفعل لا بالشعار.
ومجتمع مدني مستقل وفاعل.
وشباب يجد في وطنه مساحة لصناعة المستقبل، لا مجرد البحث عن مستقبل خارج الوطن.
إن المغرب لا يحتاج إلى مجتمع يعود إلى الماضي، ولا إلى مجتمع يقطع صلته بالماضي.
إنه يحتاج إلى مجتمع جديد يعرف من أين جاء، ويفهم أين يقف، ويعرف إلى أين يريد أن يذهب.
ومن هنا، فإن السؤال الحقيقي ليس فقط:
«المجتمع المغربي إلى أين؟»
بل:
«أي مجتمع مغربي نريد أن نبني؟ ومن يملك الشجاعة والمسؤولية للمساهمة في بنائه؟»
فالمستقبل الاجتماعي ليس قدرا مكتوبا بالكامل؛ إنه، إلى حد كبير، نتيجة للقرارات التي نتخذها اليوم.
*كاتب وباحث مهتم بقضايا الفكر والمجتمع والعمل المدني




