الزكاة عطاء يحرر الإنسان من عبودية المال .. مشروع أمة لا صدقة أفراد – علي الشرفاء : قراءة قرآنية تعيد للفريضة هيبتها .. ليست منًّا ولا أذي انما هي حق معلوم للسائل والمحروم

 

– قراءة تحليلية يكتبها : خالد العوامي

ليست الزكاة رقم يستقطع من المال .. إنها نفحة إيمانية .. و جسر من النور يمتد بين الغني والفقير .. في الزكاة لحظات اختبار كبرى لضمير الإنسان وإيمانه بحق الله وحق الفقراء من الناس : هل ينتصر الإنسان لـ روحه ودينه ؟! .. هل يسلم قياده أمره لـ سطوة المال وإغراء الثروة والجاه ؟ .

.. و في تلك الايام المباركة من شهرِ رمضان الكريم .. تصفو الروح وتلين القلوب لطاعة الله ورضوانه .. فيه تتجلى الزكاة نور مضاعف .. لتزكية النفس قبل المال .. كي تتسع ميادين الرحمة .. وتصبح موائد العطاء جسور محبة .. تعمر الأرض بـ الخير والنماء .

إذ يقول المولي سبحانه وتعالى في محكم تنزيله : ” فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى ۝ وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى ۝ فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى ” .. صدق الله العظيم .. آية قرآنية لا تقف عند حدود الوعد الالهي لكنها تؤسس لـ منهج حياة .. ثم .. ثم تضع للناس منهج يخبرنا بـ أن العطاء ليس منه ولا خسران .. انما هو الطريق الأقصر إلى رضا الله ورضوانه .. طريق نحو التقوي وبناء مجتمعات آمنة متراحمة .

وأحسب ان تلك ركيزة راسخة .. ينطلق منها المشروع الفكري للأستاذ علي الشرفاء الحمادي في كتابه ” الزكاة صدقة وقرض حسن ” .. إذ يعيد فيه الحمادي قراءة فريضة الزكاة قراءة قرآنية خالصة .. ترفعها من مستوى ” المن ” إلي ” الحق المعلوم ” .. فالزكاة في هذا الطرح ليست ” منة ” من غني على فقير .. انما هي حق معلوم .. وميزان عدل إلهي .. وأداة بناء لمجتمع متماسك .. تسوده المودة وتغمره الرحمة .

.. و كما يوضح علي الشرفاء ” قرض حسن ” لا ينقص المال انما يباركه .. ولا يضعف المجتمع انما يحصنه .. إنها عبادة تسمو بـ الروح .. وتحرر الإنسان من عبودية التملك .. وتزرع في قلبه يقين بـ أن ما عند الله خير وأبقى وما عند الناس فان .

اذ يكمن في الزكاة سر التوازن الاجتماعي .. فهي تطفئ نار الحقد الطبقي قبل أن تشتعل .. وتغلق أبواب الكراهية قبل أن تفتح .. وتبني وحدة وطنية قائمة على التكافل لا على الشعارات .. فحين يأخذ الفقير حقه بلطف واحترام .. وحين ينفق الغني ماله خالصاً لوجه الله .. بلا رياء ولا من أو أذى .. يولد مجتمع السلام والأمن والاستقرار .. مجتمع يعرف أن المال وسيلة عمران لا أداة استعلاء علي خلق الله .

وهنا يحذرنا صاحب الملكوت في السموات والأرض في قرآنه الكريم بقوله تعالي : ” وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى ۝ وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى ۝ فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى ” .. صدق الله العظيم .. وفي تلك الاية الكريمة تتجلى العدالة الإلهية في أبهى صورها : فمن ضيق على الناس ضيق الله عليه .. ومن أغلق أبواب الرحمة في وجه المحتاجين أغلقت في وجهه أبواب السكينة .. فالبخل ليس مجرد امتناع عن الدفع .. انما هو انقطاع عن سنّة العطاء التي بها تقوم الحياة .

لذا تجد الاستاذ علي الشرفاء الحمادي في مشروعه الفكري .. يرفع راية الوعي والتنوير .. ويؤكد أن العودة إلى جوهر النص القرآني هي السبيل لصياغة واقع أكثر عدل ورحمة .. فالزكاة ليست هامش في التشريع انما هي قلب نابض في الجسد الاجتماعي .. إن صلحت صلح الجسد كله .. وإن فسد اضطربت الموازين .

وبدا حال لسان علي الشرفاء وكأنه ينادي في الناس .. كل الناس : الزكاة يا أمة الإسلام ليست رقم يخصم من المال لان المال مال الله .. الزكاة ليست إجراء سنوي انما هي مدرسة أخلاقية تعيد ترتيب علاقة الإنسان بالمال .. فـ هي عهد بين العبد وربه وميثاق كرامة بين خلق الله .

إنها امتحان المال والنية .. وطوق نجاة تتشبث به المجتمعات قبل أن تجرفها أمواج الجوع والاحتقان .. فمن أعطى واتقى وصدق بالحسنى ذاق حلاوة التحرر من عبودية المال .. وانفتحت أمامه دروب اليسر في الدنيا وبشائر الوعد الأجمل في الآخرة .. اللهم إني قد بلغت .. اللهم فاشهد .

Exit mobile version