
في تمام الساعة 06:00 صباحاً، أعلن كابتن الطائرة الكندية (رحلة رقم 072) عن الوصول إلى مطار الملك محمد الخامس الدولي في كازابلانكا. دقائق معدودة وتبدأ الشمس بالشروق معلنة بداية يوم جديد… المطار هادئ، والإجراءات سلسة وبسيطة، وفي لحظات وجدتني بالخارج متجهاً نحو القطار السريع (ONCF) المباشر من المطار إلى منطقة وسط المدينة.
تتمتع كازابلانكا بسحر خاص؛ غابات من الأشجار والخضرة المترامية بكثافة و كأنك في بلد استوائي. الطرق سريعة وكثافة السيارات ليست بالمرتفعة، ربما لأن الساعة لم تتجاوز السابعة صباحاً.
تركت أغراضي في الفندق؛ إذ لن أتسلم الغرفة إلا بعد حين. وما إن اتصلت بأصدقائي حتى كانوا حولي في وقت وجيز. تجولنا بين شوارع المدينة ومنها إلى الكورنيش حيث “مسجد الحسن الثاني” – تحفة المغرب المعمارية ذات المئذنة البالغ ارتفاعها 200 متر. وعلى قمة الممشى، تصادف وجود مقهى (Café de France)، فكان المكان الأفضل لتناول طعام الإفطار على قارعة الطريق حيث يمر الترامواي في الاتجاهين مدوياً بجرس التنبيه.
المباني جميعها ترتدي رداءً أبيض بارتفاعات لا تزيد عن أربعة طوابق، وأخيراً أدركت أنني أعيش أجواء الإسكندرية في سبعينيات أو ثمانينيات القرن الماضي! سحر الماضي، هواء المحيط، ورائحة القهوة… أسباب كافية للارتقاء معنوياً وحسياً، حتى إن حاجتي للنوم اختفت، ربما خوفاً من فقدان بعض التفاصيل.
كنا نتحدث ونضحك، ولاحظت دون قصد توجيهي للغة الحوار إلى الفرنسية أو العربية الفصحى، حيث كانت تتساقط على مسامعي الكثير من الكلمات بالدارجة المغربية.
حان الوقت لاستلام غرفتي والحصول على قسط وافر من الراحة. والملفت للنظر هنا أن موسيقى وأغاني أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب وفريد الأطرش تعبق في الهواء وكأنها تنطلق في كل مكان؛ ألحان هادئة بأصوات خافثة تأتي كـ النسيم من هنا وهناك. وكدت أن أنسى: منذ وصولي لم أستمع إلى بوق السيارات أو الدراجات البخارية، اللهم إلا جرس الترام عند كل منحنى، وعربة “الكريم جلاسيه” بالمفهوم التقليدي… وما أدراك ما “الكلوكلو” الشوكولا !
انتهى حديثي هنا، وإن كان في النفس بقية، ولكن لكل مقال مقام.
تأملات إستراتيجية: فخ البئر واللعبة الكبرى
ألقى مزارع خنزيراً ميتاً في بئر، وفي غضون دقائق قفز ما بين 70 إلى 80 فأراً داخل البئر؛ جذبتهم رائحة العفن فقد كان طعاماً سهلاً. هاجموا الخنزير و التهموه، وما إن انتهت الوجبة حتى حاولوا الصعود، لكنهم أدركوا أنهم محاصرون ولا عودة!
مرت الأيام وظل الجوع ينمو بلا توقف، وتحول البئر إلى جحيم حقيقي؛ بدأت الفئران تهاجم بعضها البعض، وشرعت في أكل بعضها البعض واحداً تلو الآخر، حتى اختفوا جميعاً ولم يتبق سوى فأر واحد. هنا عاد المزارع وأخرج الفأر الأخير، الناجي الوحيد، وأطلق سراحه في الحقل.
لقد تغير الفأر تماماً؛ أصبح مدمناً على مطاردة بني جنسه من الفئران لدرجة أنه لم يعد يأكل الحبوب!
وهنا تبدأ اللعبة الحقيقية: في الأشخاص الذين يجلسون في القمة لا يتصارعون أبداً فيما بينهم، بل يكتفون بخلق بيئة يتقاتل فيها من هم في الأسفل، يحطمون بعضهم البعض حتى يهلكوا تماماً.
والحقيقة هي أن الكثير من الناس يقضون حياتهم بأسرها في محاولة هزيمة الآخرين دون أن يدركوا قط أنهم قد أصبحوا بالفعل مجرد أحجار شطرنج في لعبة شخص آخر!
لذلك، إياك أن تقع في فخ نصبه لك غيرك، وإن وجدت نفسك محاصراً يوماً ما فلا تستمر في القتال، ولا تتغافل عن الثمن مقابل المكسب السريع. الطعم السهل غالباً ما يكون بداية الفخ؛ اقرأ المشهد كاملاً قبل أن تقفز، ولا تستهلك طاقتك في صراعات جانبية، معركتك ليست مع أبناء جلدتك أو زملائك أو أهلك، وأحذر أن تتبنى سلوك البيئة السامة؛ فقد تغير من فطرتك و هويتك وتجعلك أداة لإيذاء غيرك.
وفي أروقة “كازا”: التساؤل المالي والسياحي
“كازا” كما يطلق عليها أهلها. جاء المساء ومن بعده الصباح واتبعه المساء… ولا بد من زيارة “حديقة الجامعة العربية” الممتدة على مساحة 70 فداناً تقريباً؛ تجربة فريدة من المتعة والصفاء الذهني والروحي، خاصة إذا ما اقترنت بوجبة من الكسكسي والطواجن المغربية الشهيرة، واترك لمخيلتك العنان للاستمتاع.
وهنا يكمن السؤال الإستراتيجي:
كيف للمغرب – ( ودون عناء البنية التحتية المكتملة في مصر من طرق و كباري وأنفاق ومطارات وموانئ وأنهار وشواطئ على الأبيض والأحمر وشبكة عنكبوتية من الواي فاي و أهرامات ومتاحف ) – أن يستقبل 19 مليون سائح سنوياً، في حين لا نستقبل في مصر سوى 15 مليون سائح سنوياً بالكاد؟
لا أدعي فخراً بأن لدي الإجابة الكاملة، ولكن وأنا في طريق العودة إلى المطار، تبلور لدي تحليل منطقي و مبدئي… كيف ولماذا؟
وأما النتيجة تتلخص في أن متوسط مستوى الدخل في المغرب يزيد عن مثيله في مصر مرتين على أقل تقدير، مع تشابه كبير في أسعار المعيشة اليومية، وهو ما ينعكس على جودة الخدمات المضافة، وطريقة إدارة المقصد السياحي، والقوة الشرائية للمجتمع المحلي التي تدعم السياحة و تكاملها.
أسعدني كثيراً مسؤول الجوازات بالمطار عند المغادرة بتحيته الرقيقة وأمنيته الصادقة أن أكون قد استمتعت بزيارتي للمغرب.
بقلم المستشار الإستراتيجي/
خالد العروسي