
الحج عبادة يجتمع فيها المسلمون من كافة بقاع الأرض من بلدان وأجناس مختلفة، يجتمعون لغاية واحدة على أرض واحدة، ما يُعزز قيمة المساواة بين الجميع، تلك الفريضة تؤكد أنَّه لا تفاضل بين الناس مهما بلغت مكانة الشخص الدنيوية إلا بما وقر في قلبه من التقوى والعمل الصالح.
خلال موسم حج بيت الله الحرام يرى الناس أنفسهم جميعاً من شتى بقاع الأرض متساوين في الملبس والمسكن، تذوب الفوارق بين الناس حينما يتساوى الملك والصعلوك والغني والفقير والقوي والضعيف، والكل أعناقهم مشرئبة للسماء فلا كبير غير الله ولا غني غير الواحد الأحد ولا ملك غير الحي القيوم يستهدف حج بيت الله التعارف بين المسلمين من أجل تحقيق مصالح ومنافع بينهم حيث يقول سبحانه تعالى: (لِيَشهَدَوا مَنافِعَ لَهُم وَيَذكَرُوا اسمَ اللَّهِ في أيّامٍ مَعلوماتٍ عَلىٰ ما رَزَقَهُم مِن بَهيمَةِ الأنعامِۖ فَكُلوا مِنها وَأطعِمُوا البائِسَ الفَقيرَ) (الحج: 28).
تلك الرحلة الدينية تحقق ممارسة عملية في التواصل بين الناس والتعارف كما يتخلى الإنسان عما لحقه من شوائب وآثامة في حياته يلجأ إلى الله بالذكر والدعاء أثناء الطواف والسعي؛ حيث يرى كل إنسان مشغول بنفسه وكل إنسان يسعى ملبيًا وداعيًا إلى الله أن يغفر له ما اقترفه من ذنوب راجيًا توبته ورضاه فيدرك الإنسان بعد عودته من الحج أو العمرة إلى وطنه يراجع حساباته ويؤكد علاقته مع الله في عبادته وعمله، حيث يعود إلى رشده ويدرك حقيقة خلقه ويستمد الطاقة من ربه وترتقي بذلك نفسه يرجع لوطنه وقد ازداد إيمانًا وأدرك قيمة الحياة فهي متاع الغرور ليصحح من سيرته فيتحسن سلوكه ليعيش في حياة سعيدة مطمئنة وراضية بما قسم له الله من رزق.
و لو تدبرنا كتاب الله حق التدبّر، لوقفنا على الأمر من دون لبس أو إبهام فالإسلام يقوم بنيانه على الأخلاق، وما تكاليف العبادات إلا وسائل تصل بنا لتمام التوحيد والسمو الأخلاقي وتطهير النفس وتزكيتها.