الانتخابات التي لا نراها…حين يتحول التصويت إلى قانون وهوية ومجتمع

 

بقلم: ذ. السعيد شخمان*
كاتب وباحث مهتم بقضايا الفكر والمجتمع والعمل المدني

تمهيد

حين نتحدث عن الانتخابات، غالباً ما تنصرف الأنظار إلى المشهد الظاهر: الحملات الانتخابية، التجمعات، الملصقات، المناظرات، الوعود، المنافسة بين المرشحين، ثم يوم الاقتراع وإعلان النتائج.

لكن ثمة انتخابات أخرى تجري في مكان أقل صخباً، ولا تظهر نتائجها بالسرعة نفسها.

إنها الانتخابات التي لا نراها.

تلك التي تبدأ عندما تنتهي صناديق الاقتراع، ويجلس المنتخبون داخل البرلمان، وتتشكل الأغلبية، وتُصاغ مشاريع القوانين، وتُناقش السياسات العمومية، وتتحول المرجعيات الفكرية والسياسية للأحزاب من شعارات وبرامج انتخابية إلى نصوص قانونية وقرارات وممارسات مؤسساتية.

هناك، تحديداً، يبدأ الوجه الآخر للانتخابات.

فصوت المواطن لا يختار فقط نائباً أو حزباً أو أغلبية؛ بل يمكن أن تكون له، بصورة غير مباشرة، صلة بالاتجاه الذي ستسلكه التشريعات والسياسات العمومية في ملفات تمس الحياة اليومية والمستقبل الاجتماعي للأجيال.

ومن هنا يصبح السؤال الحقيقي أوسع من:

من فاز في الانتخابات؟

ليصبح:

ماذا سيفعل الفائزون بما حصلوا عليه من تفويض انتخابي؟ وأي تصور للإنسان والأسرة والتعليم والمجتمع ستعكسه القوانين والسياسات التي سيشاركون في وضعها؟

أولاً: الانتخابات لا تنتهي عند صندوق الاقتراع

الانتخابات التشريعية، في جوهرها، ليست مجرد عملية لاختيار أشخاص يمثلون المواطنين.

إنها أيضاً آلية لاختيار اتجاهات سياسية وبرامج وتصورات مختلفة بشأن إدارة الدولة والمجتمع.

والبرلمان ليس فضاءً للخطابة فقط، وإنما مؤسسة تمارس التشريع والرقابة وتساهم في صناعة القرار العمومي.

ولهذا فإن قراءة النتائج الانتخابية من خلال عدد المقاعد وحده تظل قراءة ناقصة.

فالرقم الانتخابي يحدد موازين القوى، لكنه لا يكشف وحده عن الآثار التي ستترتب على تلك الموازين.

قد تكون هناك أغلبية برلمانية، وحكومة، وبرنامج حكومي، ثم تبدأ بعد ذلك مرحلة أكثر أهمية وأقل إثارة للاهتمام الإعلامي: مرحلة تحويل التصورات السياسية إلى قوانين وسياسات عمومية.

وهنا تنتقل الانتخابات من المجال السياسي إلى المجال الاجتماعي.

ثانياً: الانتخابات بين الأسرة والقانون

من أكثر المجالات التي تكشف حقيقة «الانتخابات التي لا نراها» مجال الأسرة.

فالأسرة ليست موضوعاً اجتماعياً محضاً، وإنما تنظمها منظومة واسعة من القوانين المرتبطة بالزواج والطلاق والنفقة والحضانة والنسب والولاية وغيرها.

وبالتالي فإن النقاش حول إصلاح قانون الأسرة لا ينبغي أن يُختزل في صراع شعارات أو مواقف ظرفية.

إنه في جوهره نقاش حول تصورات مختلفة للأسرة، وللعلاقة بين الرجل والمرأة، ولمصلحة الطفل، ولحدود تدخل القانون في المجال الاجتماعي، وللعلاقة بين المرجعية الدينية والاجتهاد التشريعي.

وهنا تظهر أهمية الاختلاف بين المرجعيات الحزبية.

فالأحزاب قد تتفق على عنوان عام مثل «إصلاح الأسرة»، لكنها قد تختلف جذرياً في تعريف الإصلاح نفسه، وفي أولوياته، وفي مصادره المرجعية، وفي الطريقة التي ينبغي أن تتحول بها تلك الرؤى إلى قواعد قانونية.

ولهذا فإن الناخب الذي ينظر إلى الانتخابات باعتبارها منافسة على المقاعد فقط قد لا ينتبه إلى أن جزءاً من الاختيارات الاجتماعية الكبرى يبدأ من ذلك التصويت.

ثالثاً: الانتخابات بين التعليم والهوية

الأمر نفسه ينطبق على التعليم.

فالتعليم ليس قطاعاً تقنياً منفصلاً عن المجتمع، بل هو إحدى أهم المؤسسات التي تتشكل داخلها صورة المواطن والمجتمع والدولة.

ومن يضع السياسة التعليمية يساهم، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، في تحديد:

– طبيعة المدرسة العمومية؛
– مكانة التعليم الخصوصي؛
– موقع التعليم الأولي؛
– مضمون المناهج والبرامج؛
– اللغات المستعملة في التعليم؛
– العلاقة بين المدرسة والأسرة؛
– موقع التربية الدينية والقيم؛
– تكافؤ الفرص؛
– علاقة التعليم بسوق الشغل؛
– وأخيراً، صورة المواطن الذي يُراد تكوينه.

ومن هنا فإن النقاش حول المدرسة لا ينبغي أن يبقى محصوراً في عدد الأقسام أو البنية التحتية أو نتائج الامتحانات.

السؤال الأعمق هو:

أي مدرسة نريد؟ وأي إنسان نريد أن تخرّج؟

وهذا السؤال، في نهاية المطاف، سؤال سياسي وتشريعي بقدر ما هو سؤال تربوي.

فالاختيارات المتعلقة بالتعليم العمومي والخصوصي، ومدارس الريادة، والتعليم الأولي، ومكانة المؤسسات التقليدية مثل الكتاتيب، كلها تقع داخل نقاش أوسع حول وظيفة المدرسة في المجتمع، وحول العلاقة بين الدولة والأسرة والسوق والمرجعية الثقافية.

رابعاً: الانتخابات بين المرجعية والقانون

هنا نصل إلى المسألة الأكثر حساسية.

كل حزب سياسي يدخل الانتخابات محملاً بمرجعية أو تصور أو مجموعة من المبادئ والأولويات.

وقد تكون هذه المرجعية محافظة أو اجتماعية أو ليبرالية أو يسارية أو ذات مرجعية إسلامية أو غير ذلك.

ولا تكمن المشكلة في وجود الاختلاف؛ فالاختلاف جزء أصيل من التعددية السياسية.

المهم هو أن يدرك المواطن أن هذا الاختلاف لا يبقى بالضرورة داخل صفحات البرامج الانتخابية.

عندما يصل الحزب إلى البرلمان أو الحكومة، يمكن أن يجد نفسه أمام مسؤولية المشاركة في:

التشريع، وصياغة السياسات، واقتراح القوانين، وتعديل القوانين القائمة، والتصويت عليها، ومراقبة تنفيذها.

وهنا يتحول الاختلاف السياسي إلى اختلاف في القواعد التي تنظم المجتمع.

أي أن المرجعية، عندما تدخل المجال التشريعي، تصبح جزءاً من النقاش حول القانون.

ومن هنا تحديداً تبدأ «الانتخابات التي لا نراها».

خامساً: المواطن لا ينتخب فقط من يحكمه… بل يشارك في تحديد الاتجاه

قد يبدو التعبير كبيراً، لكنه يعكس حقيقة بسيطة:

المواطن عندما يصوت لحزب أو مرشح، فإنه يمنحه، في حدود النظام الدستوري والمؤسساتي، تمثيلاً سياسياً يمكن أن يؤثر في صناعة القرار.

ولذلك فإن الوعي الانتخابي لا ينبغي أن يتوقف عند سؤال:

من هو المرشح؟

بل ينبغي أن يمتد إلى أسئلة أخرى:

ما برنامجه؟

ما مرجعيته؟

ما موقف حزبه من القضايا الكبرى؟

ما الذي يقترحه في التشريع؟

كيف ينظر إلى الأسرة؟

كيف يتصور المدرسة؟

ما موقع القيم والهوية في مشروعه؟

ما حدود تدخل الدولة في المجتمع؟

وما السياسات التي يريد أن يدافع عنها داخل المؤسسات؟

هذه الأسئلة تجعل الانتخابات فعلاً ديمقراطياً قائماً على الاختيار الواعي، بدلاً من اختزالها في الأشخاص والحملات والشعارات.

سادساً: بين البرنامج الانتخابي والواقع التشريعي

غير أن هناك مسافة يجب الانتباه إليها.

فالبرنامج الانتخابي ليس قانوناً، والشعار السياسي ليس سياسة عمومية، والوعد الانتخابي لا يتحول آلياً إلى واقع.

هناك البرلمان، والحكومة، والمؤسسات الدستورية، والموارد المالية، والائتلافات السياسية، والقيود القانونية، وتوازنات المجتمع، والقدرة الإدارية على التنفيذ.

ولهذا فإن الانتقال من البرنامج إلى القانون ليس عملية ميكانيكية.

لكن البرنامج يظل مهماً لأنه يكشف الاتجاه العام الذي تريد القوى السياسية الدفاع عنه.

ومن هنا تأتي ضرورة مساءلة الأحزاب والمنتخبين ليس فقط عما قالوه قبل الانتخابات، وإنما أيضاً عما فعلوه بعدها.

سابعاً: الانتخابات التي لا تظهر في نشرات الأخبار

هناك انتخابات لا تحظى بالاهتمام نفسه الذي تحظى به نتائج الاقتراع.

لا كاميرات تلاحقها، ولا تجمعات انتخابية حولها، ولا ملصقات في الشوارع.

إنها تظهر في مواد قانونية تبدو جافة، وفي تعديلات تشريعية، وفي قوانين مالية، وفي مراسيم، وفي سياسات تعليمية، وفي برامج اجتماعية.

لكن آثارها قد تصل إلى البيت والمدرسة ومكان العمل والشارع.

ولهذا فإن المواطن الذي يتابع الانتخابات بوعي لا ينبغي أن يكتفي بمتابعة نتائج الصناديق.

عليه أيضاً أن يتابع ما يحدث بعد الصندوق.

فهناك، في كثير من الأحيان، تتحدد النتائج الحقيقية التي ستعيش معها الأجيال سنوات طويلة.

ثامناً: ثلاث ساحات تكشف الانتخابات التي لا نراها

ومن هذا المنطلق يمكن قراءة التحولات التي تلي الانتخابات من خلال ثلاث ساحات كبرى:

1. الأسرة والقانون

حيث تتحول الرؤى المتعلقة بالزواج والطلاق والطفولة والإرث والعلاقات الأسرية إلى موضوعات للنقاش التشريعي والسياسي.

2. التعليم والهوية

حيث لا يتعلق الأمر فقط بإدارة المدرسة، وإنما بالسؤال عن المعرفة والقيم واللغة والانتماء وتكافؤ الفرص وصورة المواطن الذي تنتجه المنظومة التعليمية.

3. المرجعية والقانون

حيث تنتقل المرجعيات الحزبية من المجال النظري إلى المجال التشريعي، وتصبح موضع اختبار داخل البرلمان والحكومة ومؤسسات الدولة.

وهذه المجالات الثلاثة ليست منفصلة.

فالأسرة تنتج المجتمع، والمدرسة تعيد تشكيل الإنسان، والقانون ينظم العلاقة بينهما وبين الدولة.

ولهذا فإن أي قراءة جادة للانتخابات ينبغي أن تنظر إلى هذه الدوائر مجتمعة.

خاتمة: ما لا نراه قد يكون أهم مما نراه

الانتخابات التي نراها تنتهي بإغلاق صناديق الاقتراع وإعلان النتائج.

أما الانتخابات التي لا نراها فتبدأ بعد ذلك.

تبدأ عندما يجلس المنتخب تحت قبة البرلمان.

عندما تناقش مشاريع القوانين.

عندما تُصاغ السياسات العمومية.

عندما تتغير قواعد الأسرة.

عندما يعاد رسم ملامح المدرسة.

عندما تدخل المرجعيات السياسية إلى مختبر التشريع.

هناك، بعيداً عن صخب الحملات، تتشكل أجزاء مهمة من المستقبل.

ولذلك فإن الديمقراطية لا تختزل في لحظة التصويت.

إنها تبدأ منها، ثم تستمر في المراقبة والمساءلة والنقاش العمومي وتتبع التشريع والسياسات العمومية.

فالناخب الواعي لا يسأل فقط:

من حصل على صوتي؟

بل يسأل أيضاً:

ماذا سيفعل بهذا الصوت؟

ومن هنا يصبح فهم الانتخابات أكثر عمقاً من مجرد معرفة الفائز والخاسر.

لأن بعض الانتخابات تُعلن نتائجها في ليلة واحدة…

أما نتائج أخرى فقد يحتاج المجتمع إلى سنوات حتى يكتشفها.

وهذه هي، تحديداً، الانتخابات التي لا نراها.

Exit mobile version