المغرب أمام اختبار المساواة أمام القانون.. شرطي يُحال على إعادة التكوين بعد خلاف مروري مع مسؤول.. فهل أصبح تطبيق القانون مخاطرة مهنية؟

 

*حين يوقف شرطي سيارة في الشارع، يفترض أن تكون الوثائق والقانون هما الفيصل، لا الصفة ولا المنصب. واقعة الرباط تثير أسئلة محرجة حول حماية رجال الأمن، وحدود النفوذ، وضمان ألا تتحول الخلافات المهنية إلى قرارات تثير الشكوك بشأن المساواة أمام القانون.*

*الجريدةالإسبانية العربية| الرباط*

هل يستطيع شرطي المرور في المغرب أن يطبق القانون على الجميع بالصرامة نفسها؟ وهل يشعر رجل الأمن بالحماية الكافية عندما يطلب وثائق سيارة تابعة لإحدى المؤسسات العمومية، ويجد نفسه أمام مسؤول ذي مكانة سياسية أو إدارية؟ ثم، إذا انتهى خلاف مروري إلى إحالة الشرطي على إعادة التكوين، فمن حق الرأي العام أن يسأل: ما طبيعة الخطأ الذي استدعى هذا الإجراء، وما الضمانات التي تحمي الموظف من أي قرار غير مبرر؟

أسئلة ثقيلة أعادتها إلى الواجهة واقعة متداولة بمدينة الرباط، بعدما تحدثت تقارير صحفية عن إحالة شرطي مرور على المعهد الملكي للشرطة بالقنيطرة لإعادة التكوين، عقب خلاف خلال مراقبة سيارة تابعة لإحدى مؤسسات الدولة.

وتباينت الروايات المنشورة بشأن هوية المسؤول المعني؛ إذ ربطت بعض التغطيات الواقعة بوالي جهة الرباط–سلا–القنيطرة، بينما نسبت تغطية أخرى الحادث إلى رشيد العبدي، رئيس مجلس الجهة والقيادي بحزب الأصالة والمعاصرة. كما تحدثت تقارير عن اعتراض المسؤول على طريقة التعامل معه، وعن فتح بحث إداري أعقبه اتخاذ إجراء في حق الشرطي.

وإلى حدود المعطيات المنشورة المتاحة، لا تتوافر صورة رسمية مكتملة تحسم جميع تفاصيل الواقعة، وهو ما يجعل التحقق من هوية الطرف المعني، وطبيعة الخلاف، والأسباب الدقيقة للإجراء المتخذ، أموراً ضرورية قبل توجيه أي اتهام أو استخلاص مسؤولية نهائية.

لكن اختلاف الروايات لا يلغي السؤال الجوهري الذي تفرضه القضية: هل ينبغي أن يخشى الشرطي تبعات تطبيق القانون عندما يكون الطرف الآخر مسؤولاً، أم أن القانون يجب أن يظل المرجع الوحيد مهما كانت صفة الشخص المعني؟

من يحمي الشرطي عندما يطبق القانون؟

في دولة المؤسسات، لا يفترض أن يتوقف تطبيق القانون عند حدود المناصب أو الاعتبارات السياسية والإدارية. فشرطي المرور مكلف بتنظيم السير ومراقبة احترام القواعد القانونية، وليس بتقدير مكانة الأشخاص قبل القيام بواجباته.

ومن حيث المبدأ، فإن طلب وثائق مركبة في إطار مراقبة قانونية إجراء يخضع للقواعد المنظمة للمرور واختصاصات رجال الأمن. ولا ينبغي أن يتحول مجرد طلب مشروع للوثائق إلى سبب للإضرار بالموظف الذي قام به.

لكن الإنصاف يقتضي التمييز بين أمرين: حق الشرطي في أداء مهامه دون ضغط غير مشروع، وحق المواطن أو المسؤول في الاعتراض على أي تصرف غير مهني أو إجراء يراه مخالفاً للقانون.

فلا يجوز منح رجل الأمن حصانة من المحاسبة، كما لا يجوز أن تتحول الصفة السياسية أو الإدارية إلى امتياز يفرض معاملة مختلفة. وإذا ثبت أن الشرطي أخل بواجباته أو تجاوز حدود اختصاصاته، فمن حق المؤسسة أن تحاسبه وفق المساطر المعمول بها. أما إذا ثبت أنه أدى واجبه وفق القانون، فإن من حقه الحماية والإنصاف.

المشكلة ليست في مساءلة الشرطي، بل في ضرورة معرفة أسباب المساءلة، ومدى تناسب الإجراء مع الوقائع، وضمان أن القرار اتُّخذ وفق معايير مهنية موضوعية.

وهنا تحديداً تبرز أهمية التوضيح الرسمي. فالرأي العام لا يحتاج إلى أحكام مسبقة، بل إلى إجابات واضحة: ما المخالفة المهنية المنسوبة إلى الشرطي، إن وجدت؟ وهل يتعلق الأمر بإجراء تكويني أم تأديبي؟ وما الذي خلص إليه البحث الإداري؟

إن ترك هذه الأسئلة دون أجوبة كافية يفتح المجال أمام التأويلات، ويضع الثقة في المؤسسات أمام اختبار لا حاجة إليه.

المسؤولية السياسية لا تعني امتيازاً فوق القانون

إذا تأكد أن الواقعة تتعلق برشيد العبدي، رئيس مجلس جهة الرباط–سلا–القنيطرة والقيادي بحزب الأصالة والمعاصرة، فإن موقعه السياسي والإداري يجعل النقاش حول المسؤولية العامة أكثر حساسية، لكنه لا يبرر إصدار أحكام مسبقة عليه.

فالمسؤول المنتخب، مثل غيره، له الحق في الاعتراض على أي إجراء يراه غير قانوني، وتقديم شكوى إذا اعتقد أن موظفاً أساء التعامل معه. وفي المقابل، فإن الموظف الذي ينفذ القانون له الحق في ألا يتعرض لضغط أو إجراء غير مبرر بسبب قيامه بواجباته.

والمعيار الذي ينبغي أن يحكم الطرفين هو القانون والأدلة، لا الانتماء الحزبي ولا المنصب ولا طبيعة العلاقات داخل المؤسسات.

إن المسؤولية العامة تقتضي من شاغلي المناصب المنتخبة والإدارية الحرص على تعزيز الثقة في المؤسسات، كما تقتضي من الأجهزة المختصة ضمان أن أي شكوى أو خلاف مهني يُعالج وفق إجراءات واضحة، بعيداً عن الانطباعات أو التأثيرات غير المشروعة.

ولذلك، فإن السؤال المشروع ليس ما إذا كان المسؤول قد استعمل نفوذه، لأن ذلك لم يثبت بصورة مستقلة في المعطيات المتاحة، بل ما إذا كانت المسطرة التي أعقبت الواقعة قد احترمت جميع الضمانات المهنية والقانونية، وما الأساس الذي استند إليه القرار المتخذ في حق الشرطي.

المغرب وفرنسا وإسبانيا.. أين تبدأ المساواة الحقيقية؟

لا يمكن اختزال تقدم الدول في حجم مشاريعها أو قوتها الاقتصادية، لأن قوة المؤسسات تقاس أيضاً بقدرتها على تطبيق القواعد نفسها على الجميع، وضمان ألا تتحول المكانة الاجتماعية أو السياسية إلى عامل مؤثر في مسار المساءلة.

وتقدم فرنسا وإسبانيا مثالين على تكريس مبدأ المساواة أمام القانون في النصوص الدستورية والقانونية. لكن ذلك لا يعني أن البلدين خاليان من تجاوزات السلطة أو من الخلافات بين الموظفين والمسؤولين؛ فالفارق الحقيقي يتعلق بمدى فعالية الضمانات والإجراءات وآليات المراجعة والمحاسبة.

وبالنسبة إلى المغرب، فإن الرهان ليس في المقارنة الشكلية مع هذه الدول، بل في جعل المساواة ممارسة يومية يشعر بها المواطن والموظف والمسؤول على حد سواء.

ويبدأ ذلك بحماية الموظف الذي يؤدي واجبه من أي ضغط غير مشروع، وضمان حق كل طرف في تقديم روايته، وتوضيح أسباب القرارات الإدارية التي تثير اهتمام الرأي العام، وإخضاعها للمراجعة وفق القانون.

فالتقدم الحقيقي لا يتحقق بالبنية التحتية والاستثمارات وحدها؛ بل يحتاج إلى إدارة موثوقة، ومؤسسات شفافة، وموظفين يشعرون بأن حقوقهم مصونة، ومواطنين يطمئنون إلى أن القانون لا يتغير بحسب هوية الشخص الذي يطبق عليه.

إلى متى يظل سؤال «الجميع سواسية أمام القانون» مطروحاً؟

لا تكفي واقعة واحدة للحكم على مجمل المؤسسات المغربية، كما لا يجوز تجاهل التساؤلات المشروعة التي تثيرها. فالمهم هو كيف تتعامل المؤسسات مع مثل هذه الحالات، ومدى قدرتها على تقديم توضيحات دقيقة تمنع الشكوك وتحمي حقوق جميع الأطراف.

إذا كان الشرطي قد أخطأ، فليُحاسب بناءً على وقائع ثابتة وإجراءات عادلة. وإذا كان قد أدى واجبه، فلا ينبغي أن يتحمل تبعات غير مبررة. وإذا كان الخلاف متعلقاً بطريقة التواصل أو السلوك المهني، فيجب تحديد ذلك بوضوح، وعدم الخلط بين الاعتراض على أسلوب التعامل وبين مشروعية المراقبة نفسها.

إن هذه التفرقة أساسية، لأنها تمنع تحويل النقاش إلى مواجهة بين رجل أمن ومسؤول، وتعيده إلى جوهر القضية: هل اتُّخذ القرار وفق القانون، وهل كانت الإجراءات متناسبة مع الوقائع؟

ومن حق الرأي العام أن ينتظر توضيحاً يجيب عن هذه الأسئلة، دون أن يتحول ذلك إلى محاكمة إعلامية لأي طرف.

فالمؤسسات القوية لا تكتسب الثقة بالصمت وحده، بل بقدرتها على شرح قراراتها، وإثبات أن المساءلة لا تخضع للانتقائية، وأن حقوق الموظفين والمسؤولين والمواطنين محمية وفق القواعد نفسها.

هيبة الدولة تبدأ من الشارع

حين يطلب شرطي وثائق سيارة، فإن الأمر يبدو إجراءً يومياً بسيطاً. لكن الطريقة التي يُحسم بها الخلاف، إذا وقع، يمكن أن تكشف الكثير عن العلاقة بين السلطة والمسؤولية، وبين الموظف والمؤسسة التي يعمل داخلها.

فإذا شعر الشرطي بأن تطبيق القانون قد يعرضه لعواقب مهنية غير مبررة، فإن ذلك قد يضعف ثقته في الحماية المؤسسية. وإذا شعر المواطن بأن القواعد تختلف بحسب الأشخاص، فإن الثقة في العدالة تصبح بدورها موضع تساؤل.

ولهذا، فإن حماية رجل الأمن لا تتعارض مع حماية حقوق المواطنين، بل تكملها. فالمطلوب شرطي يلتزم القانون ولا يتجاوز اختصاصاته، ومسؤول يحترم المؤسسات، وإدارة تحاسب وفق الأدلة والإجراءات العادلة.

فهيبة الدولة لا تُقاس بقدرة المسؤول على فرض موقفه، ولا بقدرة المؤسسة على اتخاذ إجراء في حق موظف، بل بقدرة القانون على حماية الحقوق ومحاسبة الجميع بالمعايير نفسها.

الخلاصة: المنصب مسؤولية.. والقانون فوق الجميع

إن الواقعة المتداولة في الرباط تستحق التوضيح، لا التهويل ولا التستر، وتستحق مساءلة مهنية عادلة، لا اتهامات غير مثبتة ولا أحكاماً مسبقة.

وإذا كان المغرب يطمح إلى تعزيز مكانته بين الدول الصاعدة، فإن ترسيخ الثقة في المؤسسات يظل جزءاً أساسياً من هذا المسار. فالتنمية لا تكتمل عندما تتطور المدن والمشاريع فقط، بل عندما يطمئن المواطن إلى حقوقه، ويطمئن الموظف إلى أن أداء واجبه لن يجعله عرضة لضغط غير مشروع، ويعرف المسؤول أن منصبه تكليف تحكمه القواعد نفسها التي تحكم غيره.

فإلى متى سيظل المغاربة يتساءلون: هل الجميع سواسية أمام القانون؟

الجواب لا يكون بالشعارات، بل بمؤسسات تشرح قراراتها، وتحمي الموظف النزيه، وتحاسب المخطئ، وتضمن أن المنصب لا يتحول إلى امتياز فوق المساءلة.

في دولة الحق والقانون، لا أحد فوق القانون، ولا ينبغي أن يُعاقب أحد لمجرد أنه طبّقه.

Exit mobile version