أحزاب الكارطون في المغرب: حين تتحول التنظيمات السياسية إلى واجهات لتدوير النخب

 

ليست كل الأحزاب السياسية، بالضرورة، أحزاباً بالمعنى الكامل للكلمة.

فالحزب، في مفهومه الديمقراطي، ليس مجرد اسم مسجل، ولا شعاراً انتخابياً، ولا مقراً يفتح أبوابه في مواسم الاستحقاقات، ولا لائحة من المرشحين تُستخرج عند اقتراب الانتخابات. الحزب الحقيقي مؤسسة سياسية واجتماعية لها هوية، وبرنامج، وقواعد، ومؤسسات، وآليات ديمقراطية لاتخاذ القرار، وقيادة تستمد شرعيتها من أعضائها، واستقلالية في القرار، وقدرة على تأطير المواطنين والمساهمة في إنتاج النخب والسياسات العمومية.

لكن إلى جانب هذا النموذج الديمقراطي، يمكن أن تظهر أشكال حزبية أخرى، تبدو في الخارج كأحزاب مكتملة الأوصاف القانونية والتنظيمية، بينما تفتقر في الداخل إلى جوهر الفعل الحزبي الديمقراطي.

إنها ما يمكن تسميته، في التعبير النقدي، «أحزاب الكارطون».

والتسمية هنا ليست وصفاً قانونياً، وإنما مفهوم تحليلي يراد به توصيف أحزاب تتحول من مؤسسات للتأطير والمشاركة السياسية إلى واجهات انتخابية ضعيفة الاستقلالية، محدودة التأثير، قابلة للتوجيه، وتُستعمل أحياناً لتدوير النخب بدل تجديدها.

وهنا تطرح المسألة سؤالاً يتجاوز الحزب ذاته:

متى يفقد الحزب وظيفته الديمقراطية ويتحول إلى مجرد أداة انتخابية داخل منظومة أوسع من النفوذ والمصالح؟

الحزب السياسي الديمقراطي يعيش قبل الانتخابات وبعدها.

أما الحزب الكارطوني، فلا يكاد يظهر إلا عندما تقترب صناديق الاقتراع.

في الحالة الأولى، نجد تنظيماً سياسياً له حياة داخلية، ونقاشات، ومؤتمرات، وهيئات تقريرية، ومواقف من القضايا العامة، وآليات للمحاسبة والتداول.

أما في الحالة الثانية، فيصبح الحزب أقرب إلى دكان انتخابي يُفتح عند الحاجة ويغلق بعد انتهاء الموسم.

لا يكون المواطن عضواً فاعلاً فيه، وإنما رقماً انتخابياً.

ولا يكون البرنامج عقداً سياسياً، وإنما ورقة انتخابية.

ولا تكون القيادة نتاجاً طبيعياً لتراكم النضال السياسي، وإنما نتيجة ترتيبات داخلية أو خارجية.

ولا يكون المرشح بالضرورة أفضل من يمثل الحزب، وإنما قد يكون الأكثر قدرة على التمويل أو استقطاب الأصوات أو بناء شبكات النفوذ.

وعندما تتحول السياسة إلى هذا المستوى، يصبح السؤال المشروع:

هل نحن أمام حزب سياسي فعلاً، أم أمام شركة انتخابية موسمية؟

لا يمكن لحزب أن يدافع عن الديمقراطية في المجتمع بينما يعيش الاستبداد داخل مؤسساته.

فالديمقراطية تبدأ من الداخل.

وتظهر في كيفية انتخاب القيادة، وتدبير المؤتمرات، واختيار المرشحين، وتحديد المواقف، وتداول المسؤوليات، واحترام الرأي المخالف، وإتاحة الفرصة للأجيال الجديدة.

أما حين يصبح القرار محصوراً في يد شخص أو مجموعة صغيرة، وحين تتحول الأجهزة الحزبية إلى مجرد واجهات للمصادقة، وحين يصبح المؤتمر مناسبة للاحتفال بالقيادة بدل مساءلتها، فإن الحزب يفقد تدريجياً صفته كمؤسسة ديمقراطية.

وقد يكون له مكتب سياسي، ومجلس وطني، ومؤتمرات وفروع وأختام ومقرات، لكن وجود المؤسسات على الورق لا يعني بالضرورة وجود المؤسسة الديمقراطية في الواقع.

فالمؤسسة ليست جدراناً وأسماء.

المؤسسة هي قواعد.

والقواعد هي التي تجعل السلطة قابلة للمساءلة والتداول.

من أخطر مظاهر تشوه الحياة الحزبية أن تتحول الموارد المالية إلى وسيلة لصناعة النفوذ السياسي.

حين يصبح المال معياراً للترشح، وحين تتحول الحظوة إلى طريق للوصول، وحين تصبح العلاقات الشخصية أهم من الكفاءة والنزاهة، فإن السياسة تتحول تدريجياً من مجال للتنافس حول البرامج إلى سوق لتبادل المصالح.

وهنا يظهر الوجه الأخطر لـ«أحزاب الكارطون».

فهي لا تحتاج إلى امتلاك مشروع سياسي حقيقي.

يكفي أن تكون قابلة للاستعمال.

قابلة لتجميع الأصوات.

قابلة لتوفير المرشحين.

قابلة لتدوير الأشخاص.

وقابلة للدخول في التحالفات التي تضمن استمرار شبكة المصالح.

وفي هذه الحالة يصبح الحزب جزءاً من منظومة أكبر، تتداخل فيها السياسة بالمال والنفوذ والامتيازات.

وهنا لا يعود السؤال:

من يملك أفضل برنامج؟

بل:

من يملك القدرة الأكبر على تحريك شبكة المصالح؟

تتحول بعض الأحزاب، في البيئات السياسية المختلة، إلى ما يشبه العجلات الاحتياطية.

يتم استدعاؤها عندما تحتاج المنظومة إلى إعادة توزيع الأدوار، أو تغيير الواجهات، أو إدخال أسماء جديدة دون تغيير جوهري في طريقة تدبير النفوذ.

وهكذا يمكن أن تتغير الألوان والشعارات واللافتات، بينما تبقى البنية العميقة على حالها.

يتغير الحزب، ولا تتغير النخبة.

يتغير الشعار، ولا تتغير المصالح.

يتغير الخطاب، ولا يتغير أسلوب إدارة السلطة.

وتلك هي إحدى أخطر وظائف الحزب الكارطوني:

إعطاء الانطباع بالتغيير مع المحافظة على جوهر الوضع القائم.

إنه تغيير في الواجهة، لا في البنية.

الحزب الذي لا يستطيع اتخاذ قرار مستقل لا يستطيع أن يكون فاعلاً ديمقراطياً.

والاستقلالية لا تعني الانعزال عن الدولة أو المجتمع أو التحالفات السياسية، وإنما تعني أن يكون للحزب قرار مؤسساتي واضح، وأن تكون مواقفه نابعة من قناعاته وبرامجه وهيئاته الشرعية، لا من إشارات خارجية أو مصالح ظرفية.

أما حين يصبح القرار السياسي مرتهناً لمن يملك المال أو النفوذ أو القدرة على منح المواقع والامتيازات، فإن الحزب يفقد جوهر استقلاليته.

عندها يمكن أن يصبح مجرد إصبع يحركه آخرون.

وقد يبدو أمام الرأي العام صاحب قرار، بينما يكون القرار الحقيقي قد اتخذ في مكان آخر.

وهذه هي المفارقة الكبرى:

حزب له اسم، لكنه بلا قرار.

وله مؤسسات، لكنها بلا سلطة.

وله قيادة، لكنها بلا استقلالية.

وله خطاب، لكنه بلا أثر.

ليس من الدقة القول إن كل حزب ضعيف أو صغير هو بالضرورة حزب كارطوني.

فالحجم الانتخابي لا يقيس وحده قيمة الحزب، والحزب الصغير قد يكون أكثر ديمقراطية ونزاهة واستقلالية من حزب كبير.

المعيار الحقيقي هو الاستقلالية والديمقراطية والشفافية والقدرة على ممارسة السياسة باعتبارها خدمة عامة.

لكن عندما تصبح المؤسسة الحزبية قابلة للاختراق والشراء والتوجيه، فإنها يمكن أن تتحول إلى إحدى الأدوات التي تسمح للفساد بإعادة إنتاج نفسه.

فالفساد لا يعيش فقط في الصفقات المشبوهة.

إنه يعيش أيضاً في البنية السياسية التي تمنع المساءلة وتعيد تدوير الأشخاص وتغلق الطريق أمام البدائل.

ومن هنا يمكن فهم العلاقة بين ضعف المؤسسات الحزبية واستمرار بعض شبكات النفوذ.

فالفساد يحتاج إلى بيئة سياسية تسمح له بالاستمرار.

وحين تغيب المنافسة الحقيقية، وتضعف الديمقراطية الداخلية، وتتحول الانتخابات إلى مناسبة لتبادل المصالح، يصبح الإصلاح أكثر صعوبة.

المشكلة الكبرى ليست في حزب بعينه.

المشكلة في أن يتحول المواطن إلى كائن فقد الثقة في السياسة نفسها.

عندما يرى المواطن أن الوجوه تتغير دون أن تتغير النتائج، وأن الشعارات تتبدل دون أن تتبدل الممارسات، وأن الانتخابات تتكرر بينما تتكرر معها الوجوه ذاتها وشبكات النفوذ ذاتها، فإنه قد يصل إلى استنتاج خطير:

لا شيء يتغير.

وهنا تبدأ الديمقراطية في فقدان أهم رأسمال لها: الثقة.

والديمقراطية التي تفقد ثقة مواطنيها تصبح عرضة للامبالاة والعزوف السياسي، ويصبح المجال مفتوحاً أمام المال والنفوذ والزبونية.

وبذلك تتحول «أحزاب الكارطون» من مشكلة حزبية إلى مشكلة ديمقراطية عامة.

إذا كان الهدف هو بناء حياة سياسية سليمة، فإن الإصلاح لا ينبغي أن يقتصر على يوم الاقتراع.

فالصندوق الانتخابي ليس سوى الحلقة الأخيرة في سلسلة طويلة تبدأ من داخل الحزب.

الإصلاح الحقيقي يقتضي:

  • ديمقراطية داخلية فعلية.
  • مؤتمرات حقيقية لا شكلية.
  • تداولاً على المسؤوليات.
  • شفافية مالية قابلة للمراقبة.
  • معايير واضحة لاختيار المرشحين.
  • محاربة تضارب المصالح.
  • حماية استقلالية القرار الحزبي.
  • تجديد النخب وفتح المجال أمام الشباب والنساء والكفاءات.
  • ربط المسؤولية بالمحاسبة.
  • تعزيز حق أعضاء الأحزاب في المساءلة الداخلية.
  • جعل البرنامج السياسي التزاماً أخلاقياً وسياسياً لا مجرد وثيقة انتخابية.

فالحزب الذي لا يمارس الديمقراطية داخله، لن يكون حارساً جيداً للديمقراطية خارجَه.

إن تعبير «أحزاب الكارطون» ينبغي ألا يتحول إلى مجرد سبّ سياسي أو حكم انطباعي على هذا الحزب أو ذاك.

قيمته الحقيقية أنه يطرح سؤالاً عميقاً حول مضمون المؤسسة الحزبية ووظيفتها الديمقراطية.

فالحزب ليس لافتة.

وليس مقراً.

وليس لوناً انتخابياً.

وليس مجموعة من الصور والملصقات والمواكب.

الحزب مؤسسة يفترض أن تكون مدرسة للمواطنة، ومختبراً للأفكار، ومجالاً لإنتاج النخب، وآلية للتأطير والوساطة بين المجتمع والدولة.

وحين يفقد هذه الوظائف، ويصبح مجرد واجهة انتخابية أو أداة لتدوير النخب نفسها، فإنه لا يضيف شيئاً إلى الديمقراطية؛ بل قد يتحول، من حيث يدري أو لا يدري، إلى جزء من الأزمة التي يفترض أن يساهم في حلها.

أما أخطر لحظة، فهي حين يصبح المواطن مقتنعاً بأن الانتخابات تغير الواجهات ولا تغير قواعد اللعبة.

عندها لا يعود الخطر في ضعف حزب أو سقوط آخر.

الخطر أن يفقد الناس إيمانهم بأن السياسة يمكن أن تكون نظيفة.

وهنا تحديداً تبدأ المعركة الحقيقية:

ليست معركة حزب ضد حزب، ولا شخص ضد شخص.

إنها معركة الديمقراطية ضد تحويل السياسة إلى سلعة، والمؤسسة ضد تحويلها إلى واجهة، والمواطنة ضد تحويل المواطن إلى مجرد صوت يُستدعى مرة كل بضع سنوات ثم يُنسى.

فالبلد لا يحتاج إلى مزيد من الأحزاب التي تملأ الورق.

إنه يحتاج إلى أحزاب تملأ الحياة السياسية معنى.

وإلى مؤسسات لا تُحرّك بإشارة إصبع، ولا تُشترى بالمال، ولا تُدار بمنطق الحظوة، بل تقف على قدميها، وتقول كلمتها، وتتحمل مسؤوليتها، وتدفع ثمن مواقفها إن اقتضى الأمر.

ذلك وحده هو الفارق بين حزب موجود في السجل…

وحزب موجود في ضمير المجتمع.

Exit mobile version